محمد بن أحمد الفرغاني
50
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
وأمّا الاسم الآخر ( فاسم المدبّر ) الذي يشهد كلية كل أمر وجملته التي تبتني عليها جزئياته وتفاصيله وتفرّع من اسم القيّوم ( اسم الباقي ) الذي له الثبات والبقاء عند ورود الهلك والفناء على ما التحق بعين وجوده من الأوصاف والأعراض والتعيّنات والإضافات ، فتفنى وتهلك هذه كلّها وتبقى عين وجوده الذي كان مواجها لحقائق الممكنات ، فتلحقه بتلك المواجهة تلك الأعراض وتلك الإضافات ، فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وهو وجهه المواجه للمكوّنات كما قدّمنا ، قال اللّه تعالى : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) [ القصص : الآية 88 ] ، كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرّحمن : الآيتان 26 ، 27 ] ، فانتشأ من الباقي حينئذ ( اسم الآخر ) . وتفرّع من اسم الباقي أيضا ( اسم الحقّ ) الذي هو الثابت من الأمرين ، وبالحقيقة هو اسم للوجود الذي واجهه وقابله بقابليته واستعداده العدم الذي هو الحقيقة الممكنة ، فيضمحلّ العدم ويبقى ما يواجهه وهو الوجود الدائم الباقي ، ولهذا يقال لعين الوجود من حيث فيضه المنبسط العام إنه الحقّ المخلوق به كل شيء ؛ كما قال تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الحجر : الآية 85 ] . وتفرّع أيضا من اسمه الباقي ( اسمه الوارث ) الذي تنتهي إليه جميع الأملاك والتصرّفات على سبيل الاستقلال عند فناء كل من ينسب إليه ذلك بحكم كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] . وكذلك تفرّع ( اسم المحيي والمبقي ) من اسمي القيوم والباقي ، ومن توابع اسم الحيّ ( اسم الصمد ) الذي يصمد ، أي يلجأ إليه الحاجات وينتهي إليه السؤدد ويتوجّه إليه بقضاء الحوائج ؛ لأنه الملئ بقضائها ولا يحتاج إلى سواه أصلا ، وباعتبار قيام اسم القيّوم بنفسه وقيام غيره به ، يكون مستقلّا بالقيام بجميع الأمور ، فإذا وكل العبد أموره إليه يقوم بجميع أموره بحكم الوكالة تنزّلا وتلطّفا ، كما كان يقوم بها على سبيل الاستقلال ، وحينئذ يتسمّى ( باسم الوكيل ) المنتشىء من اسم القيوم . ثم اعلم أن حقيقة الحياة إنما هي صورة القابلية الأولى ، التي هي عين العلم بالذات الأقدس وعين التعيّن الأول ، وعين المحبة الأصلية ، فمظهر تلك المحبة